السبت، 28 أبريل 2012

ذو القرنين ويأجوج ومأجوج



ذو القرنين ويأجوج ومأجوج

أيها الأحبة: لقد أورد كثير من المؤرخين والمفسرين أخباراً عجيبة وروايات غريبة عن يأجوج ومأجوج، ذكروا في هذه الروايات والأخبار أصلهم، ونسبهم، وأشكالهم، وألوانهم، ومكانهم!!
وهذه الأخبار والروايات لا تعدو أن تكون مجرد خرافات وأوهام وخيالات وأساطير، لأنها أُخِذَت من الإسرائيليات.
أُخِذَت من غير المصادر اليقينية أي القرآن والسنة النبوية الصحيحة، فلا يجوز لأحدٍ بحال أن يتكلم في مثل هذه الأمور الغيبية إلا بالدليل الصريح من القرآن أو بالدليل الصحيح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
فلسنا في حاجة على الإطلاق لأن نلهث وراء الإسرائيليات والأخبار العجيبة والموضوعة لنتكلم عن يأجوج ومأجوج أو عن ذي القرنين ،وإنما يجب علينا جميعا أن نقف عند النص اليقيني في كتاب ربنا وفي سنة الحبيب نبينا ففيه الغنى.
يأجوج ومأجوج أُمَّتَانِِ من البشر من ذرية آدم عليه السلام يتميزان عن بقية البشر بالاجتياح المروع والكثرة الكاثرة في العدد والتخريب والإفساد في الأرض بصورة لم يسبق لها مثيل.
وقال المحققون من أهل اللغة نقلا عن ابن منظور في لسان العرب وغيره قالوا  :
يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان مشتقان من أجيج النار أي من التهابها ومن الماء الأجاج وهو الشديد الملوحة والحرارة .
فشبَّهوهم بالنار المضطرمة المتأججة وبالمياه الحارة المحرقة المتموجة لكثرة تقلبهم، واضطرابهم، وتخريبهم، وإفسادهم في الأرض .
هذا هو التأصيل اللغوي الذي لابد منه بداية حتى لا نطلق لخيالنا العنان لنلهث وراء الخرافات والأساطير والأوهام .
لذا أخبرنا المصطفى أن يأجوج ومأجوج هم بعث النار يوم القيامة وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء:
ثانياً: بعث النار:
ففي الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري رضي اللـه عنه أن النبي قال: ((يقول اللـه يوم القيامة: يا آدم فيقول آدم: لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول اللـه جل وعلا: أَخْرِج بعث النار فيقول آدم عليه السلام: وما بعث النار يا رب؟، فيقول الملك: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى جهنم، وواحد إلى الجنة)) فشق ذلك على أصحاب النبي المختار، وفي رواية ((فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة))، وفي رواية ((فبكى أصحاب الرسول وقالوا: يا رسول اللـه وأينا ذلك الواحد))؟ فقال المصطفى :((أبشروا! أبشروا! فمن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد)) ثم قال المصطفى : ((والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة)) فكبرنا. قال: ((والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة)) فكبرنا . فقال المصطفى في الثالثة: ((واللـه لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)).
أمة النبي أمة مرحومة.. أمة النبي أمة ميمونة .
و كدت بأخمصي أطأ الثُّريــا
 
ومما زادني فخــرا وتيهــا
وأن أرسلت أحمد لـي نبيــا
 
دخولـي تحت قولك يا عبادي
اسجد له شكراً أنك من أمة الحبيب محمد ، فأمة المصطفى أمة مرحومة أثنى عليها ربها وأثنى عليها نبيها .
قال اللـه لها: كُنتُم خَيرَ أُمَّةِ أُخرِجتْ لِلنَّاسِ .
قال اللـه لها: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] .
وفـى الحديـث الذي رواه الترمذي وأحـمـد وابـن ماجـه بسند حسن قال المصطفى : ((أنتم موفون سبعون أمة أنتم خيرها وأكرمها على اللـه جل وعلا))([2]).
أنتم خير الأمم.. أنتم أكرم الأمم على اللـه جل وعلا .
بل وفي صحيح البخاري من حديث أبى سعيد الخدري أن الحبيب النبي قال: ((يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: يا نوح هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم يا رب. فيدعى قومه ويقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقول قوم نوح: لا ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقول الحق جل وعلا: وهو أعلم، من يشهد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته، يقول المصطفى: فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أدعى فأشهد عليكم ))([3]).
وذلك قول اللـه جل وعلا : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .
بل ومن الأحاديث الممتعة التي تبين فضل السابقين واللاحقين من أمة سيد النبيين ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبي أتى المقبرة يوما فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنّا إن شاء اللـه بكم لاحقون)) ثم قال الحبيب 0: ((وددت أنَّا قد رأينا إخواننا)) فقال الصحابة: أو لسنا إخوانك يا رسول اللـه؟ قال : ((أنتم أصحابي، وإخواننا قوم لم يأتوا بعد)) فقال الصحابة: فكيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول اللـه؟ فقال المصطفى : ((أرأيت  لو أن رجلا له خيلُُ غُرُّ مُحَجَّلَة بين ظَهْرَي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ (أي سود) ألا يعرف خيله))؟ قالوا: بلى يا رسول اللـه، فقال المصطفى : ((فأنهم يأتون غُراً محجلين من الوضوء ))([4]).
أحبتي في اللـه:
أقف الآن وحضراتكم مع هذا الحوار الجميل بين ذي القرنين وقوم تعرضوا للفساد والإيذاء على أيدي يأجوج ومأجوج وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز .
ثالثاً: ذو القرنين ويأجوج ومأجوج:
لقد حكى اللـه قصة ذي القرنين في سورة واحدة من سور القرآن ألا وهي سورة الكهف قال اللـه تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [الكهف:83-98].
هذه هي قصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج وأقول لك أن قصة ذي القرنين هي الأخرى قد نُسِجَ حولها من الأساطير والخرافات والخيالات والأوهام ما يندى له جبين التحقيق خجلاً وحياءً.
لا يجوز لأحد يحترم علمه وعقله أن يتجاوز النص القرآني في قصة ذي القرنين فما ذكره اللـه في القرآن عن ذي القرنين فيه الغنى وفيه الكفاية، ولسنا في حاجة لأن نلهث وراء الإسرائيليات لننسج حول شخصية ذى القرنين الأساطير والخرافات والأوهام .
والآن أدعوك لنتجول سوياً لنتعرف على قصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج بالنص القرآني والتفسير اليسير.
ذو القرنين عبد صالح اختلف أهل التفسير في نبوته لكن لا يستطيع أحد أن يجزم بذلك.
والقصة تبدأ بسؤال المشركين للنبي المصطفى ويأتي الجواب من اللـه جل وعلا: "قل" يا محمد، وكلمة "قل" يسميها علماء التفسير وعلماء اللغة قل التلقينيه أي القصة ليست من عند رسول اللـه بل هي وحي من عند اللـه جل وعلا: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا :         كلمة " منه " التبعيضية: أي سأتلوا عليكم بعض الشيء من قصة ذي القرنين ولو علم اللـه في الزيادة عن النص القرآني خيراً لذكرها لنا فلنقف عند ما ورد في القرآن وما ثبت في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض : تدبر ... فمن الذي مَكَّنَ لذي القرنين؟
فالتمكين إن نقبت عنه في القرآن سترى أنه في كل مرة وردت لفظة التمكين تنسب إلى اللـه رب العالمين، وهذه القاعدة البلاغية تؤصل في القلوب قاعدة إيمانية .
فالذي يُمَكِّن للدول والأمم والشعوب هو اللـه، فيجب علينا جميعا أن نعلق قلوبنا بالملك الذي يفعل كل شيء، مع الأخذ بالأسباب فهذا من حقيقة التوكل على اللـه .
لا تسود أمة إلا بإذن اللـه ولا تزول أمة إلا بإذن اللـه .
قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26].
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا . أخذ بهذه الأسباب والوسائل للتمكين والنصر والفتح والظهور .
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ [الحج:41].
فهناك من الأمم من يمكن اللـه لها فتأخذ بأسباب التمكين فيزيدها اللـه ثباتا وتمكينا فإن فرطت أذهب اللـه عنها التمكين. وهناك من الناس من إذا مكن اللـه له أخذ بوسائل التمكين فزاده اللـه رفعة ونصرا فإن فرط في هذه الأسباب والوسائل أمر اللـه عز وجل بزاوله وهلاكه .
وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا . أعطاه من الأسباب ما يستطيع أن يفتح وأن ينتصر وأن يجوب البلاد شرقا وغربا .
يبدأ ذو القرنين الرحلة الجهادية الأولى في سبيل اللـه نحو المغرب .
 حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا .
ومن المعلوم أنه ليس للشمس مشرقاً واحداً ولا مغرباً واحداً بل لها عدة مشارق ومغارب .
قال اللـه تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40].
فالشمس لها مشارق ومغارب بحسب فصول السنة وأيامها وشهورها، لها مشارق ومغارب بحسب المكان، لها مشارق ومغارب بحسب رؤية الرائي إلى قرص الشمس أثناء الشروق أو الغروب .
قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا .
فبين ذو القرنين منهجه العادل ودستوره الحكيم، فقال كما ذكر في كتاب ربنا: قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا .
وأما من ظلم نفسه بالشرك وعدم اتباعي فسوف أعذبه وله عند اللـه العذاب العظيم، أما من اتبعني وآمن بما جئت به ووحد اللـه واستقام على منهج اللـه فله الحسنى وهى الجنة، أما من ناحيتي فسنقول له يسرا .
ثم انطلق نحو المشرق في رحلة ثانية :
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا . لا يحمى هؤلاء الناس والقوم شيء على الإطلاق، لا يحول بينهم وبين الشمس شيء.
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا : أي علم اللـه عز وجل كل ما يدور في قلبه وفي نفسه.
 وتبدأ الرحلة الثالثة التي هي محل الشاهد في موضوعنا:
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ والسدين: الجبلين العظيمين .
وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا .
لا يعرفون لغة ذي القرنين أو لا يستطيعون أن ينفتحوا على غيرهم من الأمم، فهم قوم منعزلون على أنفسهم، تعرضوا إلى أشد الهجمات وأعنف الضربات على يدي يأجوج ومأجوج، فلما رأوا ذا القرنين الملك الفاتح العادل توسلوا إليه وانطلقوا وقوفا بين يديه وقالوا: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا .
هؤلاء القوم يقولون لذي القرنين هل نبذل لك من أموالنا ما تشاء وما تريد على أن تبنى لنا سدا منيعا يحمينا من يأجوج ومأجوج .
فرد عليهم بزهد وورع وقال: قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ .
لقد أعطاني اللـه عز وجل من وسائل التمكين ما أغنانى به عن مالكم ولكنه لمح فيهم الكسل، فأراد أن يشركهم في هذا المشروع العظيم وفي هذا العمل الضخم، فقال لهم ولكن!
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا . أي قال بلغة العصر: التخطيط الهندسي والمعماري والإنفاق المادي لبناء هذا السد ولإقامة هذا المشروع، سنتكفل نحن بذلك، ولكننا في حاجة إلى العمال، في حاجة إلى عمالة يحملون ويبنون ويقيمون هذا العمل: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا .
وبدأ ذو القرنين المهندس البارع الذي سبق علماء الهندسة المعاصرين بعدة قرون .
أمر بالبدء في المرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع .
ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ : أي اجمعوا لي قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين قال: انفخوا النار المشتعلة التي تصهر هذا الحديد، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التي اشتعلت لتصهر أطناناً من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين في مكان ضيق، يريد أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذي ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها .
فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أي بين الجبلين، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء، ألا وهي أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر .
فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس على الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس والحديد معدناً واحداً ليزداد صلابة وقوة فلا تستطع يدى يأجوج ومأجوج أن تتسلقه أو أن تنقبه .
وبذلك يكون ذو القرنين قد سبق العلم المعاصر في تقوية الحديد بالنحاس فلما ساوى بين الصَّدَفين بهذا الحديد وبهذا النحاس ليبين لنا سمات القيادة الفذة الناجحة التي تستطيع أن تجمع بين الخيوط والخطوط .
التي تستطيع أن تجمع بين المواهب والطاقات والقدرات والإمكانيات لتستغل الموارد والطاقات أعظم استغلال.
ذو القرنين يبين لنا سمات القيادة الناجحة، وما أحوج الأمة إلى هذه القيادة الفذة، فلما نظر إلى هذا السد العظيم لم تسكره نشوة القوة والعلم، لم يقل فن الإدارة!!
لم يقل: إنما أوتيته على علم عندي!! وإنما نسب الفضل لصاحب الفضل جل وعلا فقال:  قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
درس عظيم .. هذا رحمة من ربي ثم بين للحضور معتقده الصافي في الإيمان بالبعث والإيمان بيوم القيامة فقال لهم إن الذي أمر ببناء هذا السد هو اللـه، وأن الذي أمر بحجز يأجوج ومأجوج هو اللـه، وأن الذي سيأذن لهم بالخروج هو اللـه، وحتما سيأتي يوم على هذا السد المنيع ليجعله اللـه عز وجل دكاء أي ليسويه بالأرض وذلك لا يكون إلا بين يدي الساعة كما سيسوى جبال الأرض كلها بالأرض .
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا .
هكذا يبين ذو القرنين العقيدة الصافية في الإيمان بالبعث، في الإيمان بيوم القيامة وعلامته الكبرى حين يأذن الحق تبارك وتعالى ليأجوج ومأجوج في الخروج حينئذ يستطيعون أن ينفذوا هذا السد ويخرجوا وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء:
رابعاً: خروجهم بين يدي الساعة:
في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش رضي اللـه عنها: أن النبي دخل عليها يوما فزعا وهو يقول: ((لا إله إلا اللـه، لا إله إلا اللـه ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وحلق بأصبعه السبابة والإبهام فقالت زينب بنت جحش: يا رسول اللـه أَنهلِكُ وفينا الصالحون فقال المصطفى:((نعم إذا كَثُرَ الخبث))(4).    
يهلك الصالح والطالح ويبعث اللـه الصالحين والطالحين على نيـاتهـم .
وتدبر معي هذا الحديث: الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك وصحح الحاكم الحديث على شرط الشيخين وأقر الحاكمَ الذهبيُ والألبانيُ في السلسلة الصحيحة من حديث أبي هريرة أن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى قال: ((إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قالوا: ارجعوا فستحفرونه غداً فيرجعون فيعيد اللـه السد أشد مما كان، حتى إذا أراد اللـه أن يبعثهم خرجوا يحفرون السد فقال الذي عليهم إذا ما رأوا شعاع الشمس: ارجعوا وستحفروه غدا إن شاء اللـه تعالى فيعودون فيرون السد كهيئته التي تركوه عليها فيحفرونه ويخرجون))(5)
وفي رواية مسلم في حديث النواس بن سمعان ((فيمرون على بحيرة طبرية فإذا مَرَّ أوائل يأجوج ومأجوج شربوا ماء البحيرة كله فإذا مر آخرهم قال: لقد كان في هذه البحيره ماء)).
فيخرجون فيخاف الناس ويتحصنون منهم في الحصون، يتركون لهم الشوارع والطرقات لا قدرة لأحد بقتالهم كما سأذكر في رواية النواس بن سمعان قال المصطفى : ((أوحى الله إلى عيسى: يا عيسى إني قد بعثت قوما (أي يأجوج ومأجوج) لا يدان لأحد بقتالهم (أي لا طاقة لأحد بقتالهم) فحرز عبادي إلى الطور أي اجمع عبادي من المؤمنين إلى جبل الطور في سيناء)). ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيقول يأجوج ومأجوج: لقد قتلنا أهل الأرض تعالوا لنقتل أهل السماء.
انظر إلى الفجور!! وبهذه العبارة فقط تستطيع أن تتصور حجم الفساد في الأرض إذ تجرأ هؤلاء وفكروا في أن يقاتلوا أهل السماء وبالفعل يوجهون النشاب (أي السهام) إلى السماء فيريد الملك أن يبتليهم فيرد اللـه عليهم نشابهم ملطخة دماً فتنة من اللـه تعالى فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. في الوقت الذي تبتلى فيه الأرض بهذه الفتنة تكون فتنة أخرى عصفت بأهل الأرض عصفاً ألا وهى فتنة الدجال فينزل عيسى عليه  السلام .. أقول قولي هذا وأستغفر اللـه لي ولكم.
مقتبس من خطب الجمعة للشيخ محمد حسان.
_______________________


([1]) سبق تخريجه .
([2]) رواه البخارى رقم (4478) فى التفسير ، باب قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطاً والترمذى رقم (2965) فى التفسير ، باب ومن سورة البقرة ، وهو فى صحيح الجامع رقم (8034) .
([3]) رواه البخارى رقم (3339) فى أحاديث الأنبياء ، باب قول الله عز وجل ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ورواه الترمذى ، والنسائى ، وابن ماجة ، ورواه أيضاً أحمد فى المسند رقم (11222) .
([4]) رواه البخارى رقم (136) فى الوضوء ، باب فضل الوضوء والغر المحجلون ، ومسلم رقم (249) فى الطهارة ، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء ، والموطأ (1/28-30) والنسائى (1/93/95) فى الطهارة .
(4) رواه البخارى رقم (3346) فى أحاديث الأنبياء ، باب قصة يأجوج ومأجوج ، ومسلم رقم (2880) فى الفتن ، باب اقتراب الفتن ، والترمذى رقم (2188) فى الفتن .

(5)  رواه ابن ماجة رقم (4080) والحاكم وهو فى صحيح ابن حبان (1908) .



الأربعاء، 21 مارس 2012

هل تعرف معنى هذه الكلمات (قطمير ،فتيلا، نقيرا ) التي في القرآن ؟







يسأل البعض عن معنى قوله تعالى ( ولا يظلمون فتيلا ) فما معنى الفتيل ؟

وكذا في الآية الأخرى ( ولا يظلمون نقيراً ) فما معنى النقير ؟

وأيضاً وصف الله المعبودات الأخرى بأنهم ( ما يملكون من قطمير ) فما معنى هذا ؟

ثق تماماً أنك لن تتأثر بالقرآن ولن يلامسَ المعنى الجميل فيه قلبكَ إلا بمعرفة تلك المفردات .

منعاً للإطالة :

كل هذه الكلمات ( نقير وقطمير وفتيل ) موجودة في نوى التمر وقد ذُكرت في البيتين التاليين :

ثلاثٌ في النواةِ مسمياتٌ
فقطميرٌ لفافتها الحقيرُ
وما في شقِّها يدعى فتيلاً
ونقطة ظهرها فهي النقيرُ

أولاً : القطمير :

ذكرت هذه الكلمة في القرآن مرة واحدة ، وهي اللفافة التي على نوى التمر ، وهي غشاء رقيق يتبين في الصورة

بعد أن عرفت المعنى اقرأ هذه الآية :

( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُـونَ مِن دُونِهِ مَــا يَمْلِكُــونَ مِـن قِطْمِيــرٍ )

ثانياً : الفتيل :

ذكرت في القرآن ثلاث مرات وهو خيط رفيع موجود على شق النواة كما في الصورة

تأمل بعد ذلك قوله تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُــونَ فَتِيــلًا )

ثالثاً : النقير :

وقد يكون هذا أصغر مثل ضربه الله في القرآن
وهو نقطة صغيرة تجدها على ظهر النواة في الجهة المقابلة للشق ، يتضح بيانه في الصورة

ذكرت في القرآن مرتان ، كلاهما في سورة النساء ، الأولى وصف الله بها الإنسان لو كان عنده نصيب من الملك فلن يؤتـي النــاس نقيــراً

والثاني قوله تعالى : ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُــونَ نَقِيــرًا )

هكذا فهمنا للقرآن سيكون أجمل : ) 


الأحد، 4 مارس 2012

فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ



جاء في صحيح البخاري رحمه الله أحاديث كثيرة في فضل الصوم، ومنها هذا الحديث في [ بَاب فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَنْ يُطِيقُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ ]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ الْهَادِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا  وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

و في حديث آخر:
  وَحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ  سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا 



وقد وردت عدة آيات في القرآن الكريم في فضل الصيام ودرجة الصائم عند الله تعالى كقوله تعالى:{وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35]. وقال تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184].

وقال صلى الله عليه وسلم: « الصيام جنةٌ يسْتَجَنُّ بها العبد من النار » [صحيح الترغيب (970)].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "يا رسول الله! دلني على عمل أدخل به الجنة"، فقال صلى الله عليه وسلم: « عليك بالصوم، لا مثل له » [صحيح سنن النسائي ( 2097)].

فانظر رعاك الله، كم من الثواب العظيم في صيام يوم واحد في سبيل الله؟ يوم واحد يباعدك عن النار سبعين سنة ، وهو جنة يستجن بها الإنسان من النار، فكيف بمن يصوم كل إثنين وخميس؟ كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما؟ إنه ثواب لا يدركه إلا من ذاق حلاوة هذه العبادة. وفقكم الله تعالى للالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم في الصيام.


روابط مفيدة في الصوم:

صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم







الخميس، 23 فبراير 2012

تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق - تأليف: محمد ناصر الدين الألباني 2/2



   أواصل الليلة معكم تخريج بعض أحاديث فضائل الشام من كتاب [ تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق ] للعلامة الألباني رحمه الله، وسأكتفي هنا بسرد بضعة أحاديث، وسأضع في آخر الموضوع رابطا لتحميل الكتاب لمن أراد الاستزادة والتعمق في المتون والأسانيد. للإشارة فبعضها منكر لم أشأ التطرق له هنا، واكتفيت بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 الحديث العاشر:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا:
"إني رأيتُ الملائكة في المنامِ أخذوا عمود الكتاب، فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فإن الإيمان بالشام".
قلت: حديث صحيح، فإنه بمعنى حديث عبد الله بن عمر المتقدِّم وغيره.
والحديث رواه ابن عساكر من طريق المُصنِّف، ودلَّت روايته على أنه قد سقط من إسناد الكتاب ثلاثة أشخاص: ريحان بن سعيد, نا عباد بن منصور عن أيوب، وذلك بين يحيى بن محمد بن السكن, وأبي قلابة.
ثم رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن ريحان بن سعيد به، ثم قال: "بشير هو ابن كعب".
ورُوِيَ من وجهٍ آخر عن أيوب, عن أبي قلابة, عن عبد الله بن عمرو, من غير ذكر بشير، ثم ساقه من طريق معمر عن أيوب به.


 الحديث الحادي عشر:
عن سالم بن عبد الله عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ستخرج نار في آخر الزمان من حَضْرَمَوْت تحشرُ الناس، قلنا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام".
حديث صحيح، أخرجه أحمد "2/ 8 و53 و69 و99 و119", والترمذي في الفتن وصححه، وابن حبان في "صحيحه" 2312.
وإسناده عند أحمد صحيح على شرط الشيخين، وفيه التصريح بتحديث يحيى بن أبي كثير, وأبي قلابة الجرمي.
وكذلك رواه ابن عساكر "1/ 75 و76 و77", والفسوي "2/ 303".


 الحديث الخامس عشر:
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: "فُسطاطُ1 المسلمين يوم الملحمةِ بـ"الغوطة"، إلى جانب مدينةٍ يُقال لها: "دمشق"؛ من خيرِ مدائنِ الشامِ".
وفي رواية ثانية قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم يقول:
"يومُ الملحمةِ الكبرى؛ فُسطاطُ المسلمين بأرضٍ يقالُ لها:"الغوطة"، فيها مدينةٌ يقالُ لها "دمشق"؛ خير منازِل المسلمين يومئذٍ".
حديث صحيح, أخرجه أبو داود "2/ 210"، والفسوي "2/ 290"، والحاكم "4/ 486"، وأحمد "5/ 197"، وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد", ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذريّ "4/ 63"، وهو كما قالوا.
ورواه ابن عساكر "1/ 219-222"، وروى عن يحيى بن معين أنه ليس في حديث الشاميين أصحّ من هذا الحديث في ملاحم الروم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الفُسطاط بالضم والكسر، المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة.



 الحديث الثاني والعشرون:
عن أوس بن أوس الثقفي -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
"ينزل عيسى ابن مريم -عليهما السلامُ- عند المنارةِ البيضاء شرقي دمشق".
قلت: حديث صحيح، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "1/ 217/ 590"، وابن عساكر "1/ 215-216" من طرقٍ عن محمد بن شعيب: نا يزيد بن عبيدة, حدثني أبو الأشعث, عن أوس بن أوس الثقفي به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن شعيب هو ابن شابور.
وقال الهيثمي "8/ 205": "رجاله ثقات".



لتحميل كتاب:

"تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق" 

يرجى الضغط على الرابط التالي:



وأختم كلامي بهذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل أَنَّ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ آوَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَكَانَ هُوَ بَيْتُهُ يَضْطَجِعُ فِيهِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَسْجِدَ لَيْلَةً فَوَجَدَ أَبَا ذَرٍّ نَائِمًا مُنْجَدِلاً فِي الْمَسْجِدِ فَنَكَتَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ بِرِجْلِهِ حَتَّى اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ أَلا أَرَاكَ نَائِمًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَامُ هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرُهُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ قَالَ إِذَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ وَأَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ فَأَكُونُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الشَّامِ قَالَ إِذَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيَكُونَ هُوَ بَيْتِي وَمَنْزِلِي قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ قَالَ إِذَنْ آخُذَ سَيْفِي فَأُقَاتِلَ عَنِّي حَتَّى أَمُوتَ قَالَ فَكَشَّرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ فَأَثْبَتَهُ بِيَدِهِ قَالَ أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ و سَلَّمَ تَنْقَادُ لَهُمْ حَيْثُ قَادُوكَ وَتَنْسَاقُ لَهُمْ حَيْثُ سَاقُوكَ حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ.



الأحد، 12 فبراير 2012

تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق - تأليف: محمد ناصر الدين الألباني 1/2



   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: سنتناول في هذا الموضوع بعض الأحاديث الواردة في فضل أهل الشام على سائر الناس، وفضل تلك الأرض على سائر البلاد في حديث نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد وجدت كتابا قيما للعلامة المحدث الشيخ الألباني رحمة الله عليه، يعرض فيه تخريجا للأحاديث الواردة في فضائل الشام ودمشق، فارتأيت نشرها تعميما للفائدة، وسأنشر لكم بعضها في موضوعنا لهذا اليوم، على أمل استكمال نشر الباقي في مواضيع لاحقة بحول الله.

عنوان الكتاب: تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق
تأليف: محمد ناصر الدين الألباني
الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى للطبعة الجديدة 1420هـ- 2000م


 الحديث الأول:

عن زيد بن ثابت الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه سلم:
"يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام 1, قالوا: يا رسول الله! وبِمَ ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام".
قلت: هو حديث صحيح, أخرجه الترمذي "2/ 331, طبع بولاق"، وقال: "حديث حسن", وزاد في بعض النسخ: "صحيح".
والفسوي في "التاريخ" "2/ 301"، وابن حبان في "صحيحه" "2311, موارد الظمآن"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 229"، وأحمد في "المسند" "5/ 184"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "1/ 112-115", وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين", ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالَا, وقال المنذري في "الترغيب" "4/ 63":
رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني بإسناد صحيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 في أكثر الروايات: "طوبى لأهل الشام".


 الحديث الثاني:

عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
"ستنجدون أجنادًا، جُنْدًا بالشام، وجُنْدًا بالعراق، وجندًا باليَمَنِ", قال عبد الله: فقمت، قلت: خِرْ لي يا رسول الله! فقال: "وعليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غُدُرِه، فإن الله -عز وجل- قد تكفَّل لي بالشام وأهله".
قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث، يقول: ومن تكفَّل الله به فلا ضيعة عليه.
قلت: حديث صحيح جدًّا؛ فإن له أربعة طرق:
الأولى: طريق المُصنف، وهي من طريق مكحول, عن ابن حوالة, على خلافٍ عليه فيه.
أخرجه الحاكم "4/ 510"، وأحمد "5/ 33"، وابن عساكر "1/ 47-56", وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي.

والطريق الثاني: أخرجه أبو داود "1/ 388"، وأحمد "4/ 110" من طريق أبي قتيلة, عن ابن حوالة. وإسناده صحيح.
والثالث: أخرجه أحمد أيضًا "5/ 288" من طريق سليمان بن شمير عنه. والرابع: أخرجه الطحاوي في "مُشْكَل الآثار" "2/ 35", عن جبير بن نفير عنه. وله طريق خامس رواه المُصنّف، وسيأتي الكلام عليه في الحديث التاسع. وله شواهد من حديث أبي الدرداء وغيره.


 الحديث الثالث:

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
"إني رأيت عمودَ الكتاب انْتُزِعَ من تحت وسادتي، فنظرتُ فإذا هو نورٌ ساطعٌ عُمِدَ به إلى الشام، ألا إنّ الإيمان -إذا وقعت الفتن- بالشام".
حديث صحيح, أخرجه الفسوي "2/ 290-291 و300 و311 و523"، والحاكم "4/ 509"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 252"، وابن عساكر "1/ 92-98"، وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين, ووافقه الذهبي.
وقد وَهِمَا في قولهما: "إنه على شرطهما، وإنما هو صحيح فقط؛ لأن في السند يونس بن ميسرة بن حلبس، ولم يخرِّج له الشييخان شيئًا، وهو ثقة.
والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" "10/ 58"، وقال:
"رواه الطبراني" في "الكبير" و"الأوسط" بإسنادين، وفي أحدهما ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وله عند ابن عساكر طريق أخرى، وحسنه.
وله شواهد من حديث عمرو بن العاص وأبي الدرداء. رواهما أحمد "4/ 198 و5/ 198 و199"، وإسناده الثاني صحيح. ومن حديث عبد الله بن عمر, وعبد الله بن حوالة عند المُصنِّف, وسيأتي الكلام عليهما، فانظر الحديث التاسع والعاشر.

 الحديث الرابع:

عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
"الشام أرض المحشر والمنشر".
قلت: حديث صحيح, تفرَّدَ المُصنِّفُ بإخراجه من هذا الوجه, وهو ضعيف الإسناد جدًّا.
لكن أخرجه الإمام أحمد "6/ 257"، ومن طريقه ابن عساكر "1/ 164", من وجهٍ آخر في حديثٍ لأبي ذر موقوفًا عليه، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقره على ذلك، ولم ينكره عليه، فهو في حكم المرفوع، بَيْدَ أن إسناده ضعيف.
لكن له طريق أخرى في حديث آخر لأبي ذر، أخرجه ابن عساكر "1/ 163-164"، وقد صححه الحاكم "4/ 509" على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو في "صحيح الترغيب" "رقم 1162".
وله شاهد أخرجه أحمد "6/ 436"، وابن ماجه "1/ 429 و430", من حديث ميمونة بنت سعد مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: يا نبي الله! أَفْتِنَا في بيت المقدس؟ فقال:
"أرض المحشر والمنشر..." الحديث.

وإسناده صحيح، كما قال الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري في "زوائده"، وقوَّاه النووي في "المجموع"، وقد تكلمنا عليه مفصلًا في كتابنا "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" في "المساجد".
تم تبيَّنَ لي أنه معلول، ولذلك نقلته من "صحيح أبي داود" إلى "ضعيفه" "68".
وبالجملة؛ فالحديث بشاهده وطريقه الأخرى صحيح قويّ؛ لذلك نرى أن الأستاذ/ صلاح الدين المُنجد, قد أخطأ حين أورد الحديث في الأحاديث الموضوعة التي نَبَّه عليها في مقدمة الكتاب "ص10"1, وليس يسوغ له ذلك قوله في خاتمتها: "ونحن في ترجيحنا أن هذه الأحاديث موضوعة, قد اعتمدنا على النقد الداخلي، أعني: نقد المتن في الحديث, ولو صحَّ سنده"؛ لأنه: أولًا: ليس لهذا النقد الداخلي قواعد محررة، وضوابط مقررة, يمكن الاعتماد عليها، والرجوع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 كتاب "فضائل الشام ودمشق".

الاختلاف إليها، خلافًا للنقد الخارجي، أي: نقد السند، فقد وضع له علماؤنا -رحمهم الله- من القواعد والضوابط ما لا يمكن الزيادة عليه، كما تَجِدُ ذلك مفصلًا في كتب مصطلح علم الحديث، ومن أجمعها "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي -رحمه الله.

وثانيًا: أن الأستاذ لم يبيّن وجه كون الحديث موضوعًا متنًا حتى يمكن النظر في ذلك، ومجال الكلام في هذا البحث الخطير لا يتسع له هذا الملحق.


 الحديث الخامس:

عن معاوية بن قُرَّةَ, عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
"إذا هلك [أهلُ] الشام فلا خيرَ في أُمتي، ولا تزالُ طائفة من أُمتي على الحق يقاتلون الدجال". قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف؛ تفرَّدَ به المُصنِّفُ، وفي إسناده عمران بن إسحاق أبو هارون، قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدْرَى من هو". قُلت: ومن طريقه, أخرجه ابن عساكر "1/ 254"، وأشار إلى جهالته. والصحيح في لفظه ما أخرجه الطيالسي في "مُسنده" "ص145 رقم 1076", عن شعبة, عن معاوية به مرفوعًا:"إذا فسدَ أهلُ الشامِ فلا خيرَ فيكم، لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي منصورين، لا يضرُّهم من خَذَلَهم حتى تقومَ الساعةُ". وإسناده صحيح.

 ومن طريقه, أخرجه الترمذي "2/ 30"، وقال: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه أحمد "3/ 436 و5/ 35"، وروى ابن ماجه "1/ 6-7" الشطر الثاني، وابن حبان في "صحيحه" "2313- موارد"، وأبو نعيم "7/ 230-231"، والخطيب "8/ 417 و418 و10/ 182" الشطر الأول، والفسوي "2/ 295"، وابن عساكر "1/ 292-294"، وقال: "وتَفَرَّدَ به شعبة".
قلت: وهو ثقة حجة إمام. وللشطر الثاني منه شواهد كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما عن جَمْعٍ من الصحابة، يأتي تسميتهم قريبًا.






الأحد، 29 يناير 2012

الرد على الشبهات المثارة حول السنة النبوية الشريفة ـ 4 ـ تناول السنة الأمور الغيبية





يقول منكرو السنة : وجود أحاديث في البخاري ومسلم تناولت الأمور الغيبية، كأحاديث وصف الجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه، وما حدث به النبي عن أمور في حياته ستحدث بعده، في الحياة الدنيا، وهذا يتعارض مع أن علم الغيب لا يعلمه إلا الله؛ وهذا دليل على أن السنة المروية في الكتب الآن موضوعة، ولا يصح نسبتها للرسول؛ وإن استوفت شروط صحتها، وتواطأ عليها العلماء!!!

الرد على هذه الشبهة :
إن رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن أول رسول، يكشف الله له بعض الغيوب، فحدث ذلك مع نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ عدة مرات : منها أن الله أطلع يوسف عليه السلام، وهو غلام، حين ألقاه أخوته في الجب ليتخلصوا منه، يقول تعالى : { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } (يوسف1: 15)   ثم دار الفلك دورته، وجاءت لحظة الإنباء، فقال لهم يوسف عليه السلام: { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون } (يوسف: 89). ثم من الله على يوسف مرة أخرى إذا أطلعه على غيب زماني قبل أن يقع بعشرات السنين عندما أنبأه عن طريق الرؤيا الصادقة { إذ قال يوسف لأبيه إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } (يوسف: 4) .  ومرت السنين وصدق الله رسوله يوسف  هذة الرؤيا عندما رأى أخوته وأباه وأمه بمصر،  وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى : { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياى من قبل قد جعلها ربي حقا } (يوسف: 100).
ونجد أيضا أن الله تعالى كشف الغيب المكاني ليعقوب ـ عليه السلام ـ فنقل إليه رائحة ولده يوسف، وحكى القرآن الكريم هذه المعجزة على لسان يعقوب نفسه : { ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } (يوسف: 94) .
ونجد أن معجزة الكشف الغيبي امتدت لتشمل أم موسى  وقد قال عز وجل: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } (القصص: 7). فقد أخبرها المولى بأنه سيرده  إليها، ويجعله رسولا،  وهذا يعتبر غيبا زمانيا. ووقع هذا الغيب بشقيه: الرد، والرسالة، فقال تعالى : { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن }. (القصص: 13) . أما الرسالة فقال تعالى : { ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين } (القصص: 14)0
وقد كشف الله عز وجل الغيب لرسوله عيسى بن مريم عليه السلام وتحدث بذلك عيسى عليه السلام باعتباره آية من آيات الرسالة، التي كرمه الله بها إلى بني إسرائيل : { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } (آل عمران: 49).

نلخص من هذا كله، أن الله تعالى كشف الغيب ليعقوب، ويوسف، وعيسى، وأم موسى، فهل بعد ذلك أحد يستكثر أن يكشف الله  بعض الغيب الزماني والمكاني لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ؟!

إن الرسل لا يملكون الاطلاع على الغيب بذواتهم، وإنما يمن عليهم علام الغيوب بما يشاء هو سبحانه لا بما يشاءون هم. أعلن الله فى كتابه أنه وحده هو عالم الغيب، وفي الوقت نفسه أعلن أنه يطلع من يشاء من رسله على أشياء من الغيب  بمقتضى إرادته وحكمته. يقول الله تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } (الجن: 26-28). 

ثانيا : الأحاديث التى تناولت الغيب:
1 ـ تكوين الأجنة في الأرحام :

لقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مراحل تكوين الجنين، في رحم أمه، وحدد كل مرحلة تحديدا دقيقا ونص الحديث كما في البخارى ومسلم : " إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة، مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، وينفخ فيه الروح " .
الشاهد في هذا الحديث هو تحديد مدة كل مرحلة من المراحد الثلاث بأربعين يوما. بعدها يبعث الله الروح فيه، ثم جاء الطب الحديث والتقط صورا للأجنة، وهي في الرحم وتطابقت نتائج الأبحاث الطبية مع دلالات الحديث تماما.
فكان هذا الحديث معجزة نبوية خالدة، وموضوعة غيب مكاني وزماني معا. 
إن القرآن ذكر المراحل لكنه لم يذكر مدة كل مرحلة، فحددتها السنة بأربعين يوما، ولم يذكر القرآن لحظة بعث الروح، فبينت السنة أنه يكون على رأس المائة والعشرين يوما أي حاصل جمع ثلاث مراحل، أوليس هذا غيبا لم يمكن الاطلاع عليه يوم قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الإعجازي؟!

2 ـ حديث علامات الساعة: 

وهو الحديث الذى رواه الإمام مسلم، ويخبر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلامات الساعة: يقول " أن تلد الأمة  ربتها، وأن ترى الحفاة العراة  العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان " وذهب بعض العلماء في تفسير ذلك بأنه : تسويد الأمور  إلى غير أهله، وتقلب أحوال المجتمعات، فالجاهل يحكم العالم، والوضيع يسود الشريف، وهكذا .. أما العبارة الثانية في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفسيرها الزحف الحضاري المادي، حتى يشمل البوادي والصحارى والمراعي والوديان، وهذا كله واقع مشاهد الآن، ولم يكن له وجود يوم أخبر به النبي المعصوم.
أفليس هذا دليلا قاطعا على صدق الأحاديث النبوية، التي تتحدث عن أمور الغيب، ثم وقعت بعد الإخبار بها بدهور كما كما وصفها النبي المعصوم؟!
إن الأحاديث النبوية الغيبية صادقة كل الصدق، وهي بذلك دالة على النبوة وصدقها، وهي بذلك دليل الإعجاز، لا الإنكار والجحود.









إعلانات دعوية

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More